الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

104

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وضمائر الخطاب على هذا خطاب للكفار القائلين مَنْ يُعِيدُنا والقائلين مَتى هُوَ . والباء في بِحَمْدِهِ للملابسة ، فهي في معنى الحال ، أي حامدين ، فهم إذا بعثوا خلق فيهم إدراك الحقائق فعلموا أن الحق للّه . ويجوز أن يكون بِحَمْدِهِ متعلقا بمحذوف على أنه من كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . والتقدير : انطق بحمده ، كما يقال : باسم اللّه ، أي ابتدئ ، وكما يقال للمعرس : باليمن والبركة ، أي احمد اللّه على ظهور صدق ما أنبأتكم به ، ويكون اعتراضا بين المتعاطفات . وقيل : إن قوله : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ استئناف كلام خطاب للمؤمنين فيكون يَوْمَ يَدْعُوكُمْ متعلقا بفعل محذوف ، أي اذكروا يوم يدعوكم . والحمد على هذا الوجه محمول على حقيقته ، أي تستجيبون حامدين اللّه على ما منحكم من الإيمان وعلى ما أعد لكم مما تشاهدون حين انبعاثكم من دلائل الكرامة والإقبال . وأما جملة وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا فهي عطف على فَتَسْتَجِيبُونَ ، أي وتحسبون أنكم ما لبثتم في الأرض إلا قليلا . والمراد : التعجيب من هذه الحالة ، ولذلك جاء في بعض آيات أخرى سؤال المولى حين يبعثون عن مدة لبثهم تعجيبا من حالهم ، قال تعالى : قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ * قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ المؤمنون : 112 - 114 ] ، وقال : فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ [ البقرة : 259 ] . وهذا التعجيب تنديم للمشركين وتأييد للمؤمنين . والمراد هنا : أنهم ظنوا ظنا خاطئا ، وهو محل التعجيب . وأما قوله في الآية الأخرى : قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فمعناه : أنه وإن طال فهو قليل بالنسبة لأيام اللّه . [ 53 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 53 ] وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً ( 53 ) لما أعقب ما أمر النبي - عليه الصلاة والسلام - بتبليغه إلى المشركين من أقوال تعظهم وتنهاهم من قوله تعالى : قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كما تقولون [ الإسراء : 42 ] وقوله : قُلْ كُونُوا حِجارَةً [ الإسراء : 50 ] وقوله : قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً [ الإسراء : 51 ] ثني العنان إلى الأمر بإبلاغ المؤمنين تأديبا ينفعهم في هذا المقام على عادة القرآن في